مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
258
تفسير مقتنيات الدرر
الرفع على الابتداء وخبره « ذا » بمعنى الَّذي فيكون معناه : ما الَّذي يستعجل منه . ودخول حرف الاستفهام على « ثمّ » كدخوله على الواو والفاء نحو قوله : « أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى » « 1 » للتقريع وإفادة التوبيخ . واعلم أنّ الآية صريحة الدلالة على أنّ العبد هو المكتسب لأفعاله التكليفيّة وليس إجبار من اللَّه تعالى أبدا خلافا للجبريّة . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّه ُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِه ِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 54 ) المعنى : قوله : * ( [ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ] ) * عطف على « ويستعجلونك » ووقوع الاستعجال حين قالوا : « متى هذا الوعد » أي يقولون : متى تكون القيامة والعذاب ويستخبرونك أحقّ ما تقول ؟ واختلفوا في الضمير في قوله : « أحقّ هو » قيل : أحقّ ما جئتنا من القرآن والنبوّة والشرائع ؟ وقيل : أحقّ ما تعدنا من البعث والعذاب والقيامة ؟ وقيل : ما تعدنا من عذاب الدنيا ونزوله . فأمر سبحانه نبيّه أن يجيبهم بقوله : * ( [ إِي وَرَبِّي إِنَّه ُ لَحَقٌّ ] ) * . والفائدة أن يستميلهم ويتكلَّم معهم بكلام المعتاد ، وأنّ من أخبر عن شيء وأكّده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل والشبهة ، وأدخله في الجدّ والحقيقة والناس طبقات : فمنهم من لا يقبل الشيء إلَّا بالبرهان الحقيقيّ ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان بل ينتفع ويقنع بالبيانات الإقناعيّة نحو القسم فإنّ الأعرابيّ الَّذي جاء الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسأل عن نبوّته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم . قل يا محمّد صلى اللَّه عليه وآله لهم : نعم وحقّ اللَّه إنّ ما وعدتكم بمجيئه لحقّ لا شكّ فيه . ثمّ أكّد سبحانه بقوله : * ( [ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ] ) * وسابقين وفائتين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزّله عليكم ، لا يمكن لأحد أن يمانع ربّه ويدافعه عمّا أراد وقضى . ثمّ بيّن سبحانه أنّ هذا الجنس من الكلمات إنّما ينفع لهم ما داموا في الدنيا فأمّا إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر اللَّه تعالى وماتوا على كفرهم لا ينفعهم شيء أبدا فقال :
--> ( 1 ) الأعراف : 96 .